عبد الملك الجويني

235

نهاية المطلب في دراية المذهب

فُرض العودُ ، فقد تحقق اليأسُ من الردّ ، فإذا اطَّلعَ على العيبِ والملكُ زائلٌ أم عائد ، فيرجع لا محالةَ إلى أرش العيب ، كما لو فاتت العينُ ، أو زال الملكُ بالعتق . وإن قلنا : الردُّ ممكن عند تقدير العَوْد ، فهذا الإمكان دائمٌ ما بقي الموهوب مملوكاً ، بحيث يتصور فيه نقلُ الملك ، فهل يثبتُ الرجوع إلى الأرش في الحال ؟ القياس أنه يثبت ، وهو مذهب طوائفَ من المحققين ؛ فإن التعذر ناجز ، والاستدراك بطريق الردّ عند تقدير العود ممكنٌ على بُعدٍ ، والحق الناجز لا يتعطل بتوهمِ مستدركٍ قد يكون ، وقد لا يكون . ومن أصحابنا من قال : لا يثبت الرجوعُ إلى الأرش ، مادامَ إمكانُ الرد متوقعاً . وهذا الخلاف مبني على أن شُهود الزورِ إذا شهدوا على إنسانٍ بمالٍ ، وجرى القضاءُ بشهادتهم ، ثم رجعوا ، فالقضاء بالاستحقاق لا يُنقَضُ . وهل يغرَم الشهودُ بدل الفائت للمشهود عليه ؟ فعلى قولين . ولا خلاف أنهم لو شهدوا على إعتاقٍ ، أو طلاق ورَجَعوا عن الشهادة بعد نفاذ القضاء ؛ فإنهم يغرَمون . والفاصل بين محلّ الوفاق والقولين أن العتق لا مستدرَك له أصلاً ، والحيلولةُ الواقعةُ في الشهادة على المال ممكنةُ الزوال بأن يعترفَ المشهودُ له للمشهود عليه . فنميز صورة القطع عن صورة القولين . كذلك القول في الرجوع إلى الأرش . 3149 - فأمّا إذا كان زوال الملك بجهةٍ تُثبتُ الردَّ ، مثل أن يشتري عبداً ، ويبيعَه من غير علم بعيبه ، فقد تحقق زوال الملكِ بالبيعَ ، والبيع جهة يثبت الردُّ فيها ، فإن اطلع المشتري من المشترِي على العيب وردَّه ، فللمشتري الأول الرّدُّ على البائع الأول بلا خلافٍ . فإن قيل : أليس قَد زال الملك وعاد ؟ قلنا : الردُّ ينقضُ الجهةَ المتجدّدة ، ويردُّ الملك الذي كان ثابتاً قبل تجدد الجهة ، وسبب الاختلاف في الرد بعد زوال الملك وعودِه أنا نعتقد العائد ملكاً جديداً ، وليس كذلك إذا نُقِضت الجهة الحادثةُ ، وارتد الملك الذي كان قبلَها . هذا إذا ردَّ على المشتري الأول ما باعَهُ . فأمّا إذا اطلع المشتري الثاني على العيب ، ورضي به ، فقد بَطل حقه من الرَّدّ . وهل يملك المشتري الأولُ حق الرجوعِ بالأرش على البائع ؟ فعلَى قولَين ذكرهُما